ابو البركات

348

الكتاب المعتبر في الحكمة

والهوائي في الياقوت والغالب على الحقيقة وفي الطبع الذي يعرف بالنظر وحاسة اللمس ان الأرضية والمائية فيهما أغلب لثقلهما فكذلك يكون من هذا الروح شفاف نوراني ناري للابصار وكثيف ثابت للقرع في السمع ورطب مائي للذوق ولطيف هوائى للشم ومعتدل بين ذلك للمس فهو الآلة الأولى لهذه الأفعال الادراكية وقد علم أن به الحركات لأنه إذا انسد سبيله من جهة المبدأ عن عضو لشدة تقع في عصبة بطلت حركته كما أن الروح البصري إذا انقطع وصوله إلى العين بشدة بطل الابصار وإلى الأذن بطل السمع ولأن الروح لشدة انفعاله لا يبقى على مزاجه وحاله ولا على حده في مقداره لأنه يستحيل ويتفرق بيسير الأسباب كما قيل حفظ في أوعية تصونه عن التبدد ولقاء المحيل المفسد وتدورك بمدد يحفظ المقدار والمزاج بكميته وكيفيته بالهواء المستنشق من خارج وبخار الاخلاط المتصعد اليه من داخل فأودع القلب ونفذ في شرايينه والدماغ ونفذ في اعصابه وجعلت الرئة لاعداد الهواء الصالح بالامتزاج والكبد لا عداد الغذاء من بخار الدم وباقي الاخلاط فجاءت البنية في الحيوان على ما تقدم شرحه بآلاته ومداخل مواده ومخارج فضلاته على ما سلف من الكلام في حكمة الحيوان وجعلت الآلات المعدة لأجزاء الروح بأمزجة واشكال توافقها فيما تخصها من الافعال كما عرفت من كيفية آلية كل واحد منها فللنفس علاقة بالبدن بجملته في جملة هذه الأفعال وبأجزائه في واحد واحد منها فخصصت لها العين لتعيين الابصار لما تحاذيه والأذن للسمع لما يقرعه مما يلج فيه فكما ان النفس لا تتعدى البدن بجملته في كلية العلاقة وجملة الافعال كذلك لا تتعدى واحدا واحدا من آلاته في واحد واحد منها وتلتفت في كل فعل إلى ما يتعين بالآلة ويتخصص بها لا لأن ذلك مما يمنع عليها بذاتها وفطرتها بل لعلاقتها الطباعية الالهامية وعادتها فكما انها الهمت العلاقة بالبدن في جملة افعالها البدنية كذلك الهمت العلاقة بالعين في الابصار وبالأذن في السمع فلا يبصر من فسدت عينه ولا يسمع من فسدت أذنه وان كان للنفس بذاتها السمع والبصر وهي الباصرة السامعة لا غيرها والآلات